06 - 10 - 2026

كلام لبكره | لماذا هذا الانسداد السياسي؟ (١)

كلام لبكره | لماذا هذا الانسداد السياسي؟ (١)

 

لماذا لسنا كبقية الامم التي استطاعت ان تتقدم وتصل الى الحياة الحرة والديمقراطية، واستطاعت ان تقدم تجارب تنموية ناجحة، واستطاعت ان تكفل حياة الرفاهية لمواطنيها، لماذا أنتجت الأنظمة العربية خلال تاريخها الطويل انسدادا في الحياة السياسية؟ لماذا لم تقدم هذه الأنظمة تجارب تنموية ناجحة؟ الجواب إمّا لأنّها لم تستطع مواكبة العصر ومستجداته، أو لأنّها لم تف بمتطلبات الإنسان العربي في النهضة والعمل العربي المشترك والوحدة وغير ذلك من أهداف وطموحات. أو أنّ بعضها بقي يمارس السلطة بأسلوب وآليات قديمة، لا تتكافأ مع حقوق الإنسان العربي المتعاظمة، لأنّ تحديات المرحلة أوجبت عليه البحث عن دور له في وطنه وأمته وحتى في العالم.

هذا الانسداد في الحياة السياسية وهو المسوؤل عن بقاءنا في هذه الحالة المتردية بين الامم الاخرى، ومعناه اننا كشعوب وانظمة حاكمة، بحاجة ماسة إلى تنمية سياسية، تترافق وتتماشى مع تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية تتجاوز الحالة السياسية التقليدية التي تفتقر بطبيعتها وبنيتها إلى طبقة متوسطة تشكل الرهان الحقيقي في النهضة والتنمية.

وقد هبت بعض شعوب المنطقة في ٢٠١١ مطالبة التغيير، كما حدث في كل من مصر  وتونس ليبيا وسوريا واليمن. وكانت اغلب المطالب في تلك الاحتجاجات والمظاهرات في الكثير من المجتمعات العربية النابعة من عمق الشارع، والطامحة إلى التغيير خصوصا من الناحيتين السياسية والاجتماعية، راجعة إلى حقيقتين لا ثالث لهما:

– ‫أولهمـا حـالة الانسداد التاريخي والسياسي التي دخلت فيها أوضـاع العالم العربي جرّاء إخفاق الدولة والسياسات الرسمية القائمة في مجال تطوير البنى والتشريعات المنظّمة للحقلين السياسي والاقتصادي، وفي مجال تطوير النظام التعليمي التربوي، الأمر الذي قاد السيـاسة إلى العنف والمغامرة، وقاد الوعي إلـى التكديح العقلي والتصحر الفكري.

– وثانيتهما تزايد معدل الوعي السياسي- لدى قطاعات عريضة من الجمهور الاجتماعي- بالحقـوق المدنية والسياسية نتيجة انتشار التعليم وثورة الاتصالات والمعلومات.

وللوصول إلى إجابة كافية شافية على سؤال كيف يتم التغيير المنشود من قبل الشعوب، فلابد لنا من استحضار تلك الآراء الكثيرة والمختلفة حول طريقة التغيير، و هي آراء متباينة تباينا يصل حد التناقض، ولكن جميعها يندرج ضمن اتجاهين أساسيين:

–  الاتجاه الأول: يرى رواده بأنّ التغير الاجتماعي لا يمكن أن يتم إلاّ عن طريق القوة واستخدام العنف.

–  الاتجاه الثاني: يؤكد أصحابه على أنّ التغير الاجتماعي يمكن أن يتم عن طريق الأساليب السياسية، وأنّ العمل السياسي هو الأساس. والعنف أمر غير حتمي ولا ضروري ويترتب عليه نتائج غير مرغوب فيها.

ففي الاتجاه الأول يمكن إبراز ما جاء به – فرانتز فانون– عندما رأى أنّ :” العنف وحده، العنف الذي يمارسه الشعب، العنف المنظم الواعي الذي ينيره قادة الثورة، هو الذي يتيح للجماهير أن تحلل الواقع الاجتماعي وأن تملك مفتاحه. ودون هذا النضال، ودون هذه المعرفة النابعة من النضال، لا يكون ثمة إلاّ تهريج”، فهو  يرى أن عملية التغير الاجتماعي عملية تقترن بالعنف بشكل دائم وأكيد، والدليل على ذلك اقتران عدد كبير من حالات التغير الاجتماعي الجذري في عدد كبير من البلدان باستخدام القوة.

ولكن الأخذ بهذه النظرة، ووصفها بأنّها حقيقة ثابتة، على الرغم من صدورها عن عاطفة ثورية صادقة، ينم عن شعور عميق بوطأة الظلم الاجتماعي، إلاّ أنّه يجب إعادة النظر إلى هذه الرؤية، كون مسايرة العنف لعملية التغير الاجتماعي، يمكنه أن يقود إلى حرب أهلية ذات تكلفة اجتماعية باهضة، أو أن يأخذ شكل حرب عصابات، لا تقل تكلفتها الاجتماعية والاقتصادية عن الحروب الأهلية، وذلك ما نراه جليا في كل سوريا وليبيا واليمن الان وعلى مدار سنوات مضت.

أمّا أصحاب الاتجاه الثاني المنادون بالعمل السياسي كأساس حضاري للتغير الاجتماعي، فيرون أنّ لا مكان للعنف والقوة في حركة التغير، وذلك ما يعبر عنه  – إيفرز تيلمان– بقوله:” إنّ العنف ليس آلة تتصف بالكمال. إنّه يعجز، أولا، عن حل التناقضات الاجتماعية فيكبتها، فتميل إلى التفاقم. وهو يبقى، ثانيا محدودا، بما هو سلطة مكثفة للطبقة السائدة، بالسلطة المضادة للطبقات الخاضعة”.

ويشير – جاك ووديز– إلى الفكرة نفسها بقوله:” أمّا العنف في عملية التغير الاجتماعي كان جزءا أساسيا من هذه العملية فأمر لا يمكن أن ينكره أحد، وأمّا أن لا نرى سوى العنف فهذا بمعنى تبني وجهة نظر ضيقة وبالغة الخطر سياسيا”.

هذا بمعنى أنّ الاحتجاجات العنفية تبقى جانبية ومحدودة ولن تصبح الشكل الأساسي للعمل والتغيير، على حين يتم فيه الاعتماد على أشكال أخرى للفعل الاجتماعي يغلب عليها الطابع السياسي، من ثم يبدو من الصحيح أن نقول: إنّه إذا كان محك العنف حتميا في بعض الحالات فهو غير حتمي في جميع الحالات.

وفي العالم العربي، وخلال عقود مضت، عانت الشعوب العربية ولا زالت الويلات من ظلم اقتصادي مسرف، ومن تعسف سياسي واجتماعي بالغي الشدة والوضوح، ومع ذلك لم تتحرك الطبقات المضطهدة ولم تطهر أية جهة من القاعدة العريضة لتلك المجتمعات العريضة لتنادي بتحسين أوضاعها. ولا توجد في هاته البلدان حركات ثورية ذات معنى، توحي بإمكانية تغيير الوضع القائم أو الثورة عليه، وهذا راجع إلى الفهم السلبي لهذا الظلم على مستوى مختلف الطبقات الاجتماعية. بمعنى قدرة الدولة أو قدرة النخب الحاكمة على تبرير هذا الظلم أيديولوجيا بطريقة أو بأخرى، أي عن طريق العمل السياسي الذي تتبناه الدولة. ولتدعيم هذه الرؤية نستدل بما جاء به – عامل مهدي– حول هذه النقطة بالذات، فيرى:” أنّ أي نظام اجتماعي أو سياسي يبقى، ما دام بقي مقبولا، فإذا رفض طرحت قضية تغييره. فوجوده مرتبط بوجود نوع معين من الوعي الاجتماعي هو الملائم لوجوده، وبقاؤه رهن ببقاء هذا النوع من الوعي”.

ويضيف إلى هذه الرؤية تأكيد – غرامشي–  على أهمية العمل السياسي في الحفاظ على وضع قائم أو تغييره. فهو يعطي العمل الفكري و السياسي أولوية على العامل الاقتصادي في حد ذاته، ليس كافيا ولا يصبح فاعلا إلاّ من خلال استثارته طريقة معينة في التفكير و العمل، و هذا ما عبر عنه بقوله:” يمكن استبعاد أن تكون الأزمات الاقتصادية بحد ذاتها سببا في أحداث أساسية، فهذه الأزمات يمكنها فقط أن تخلق التربة الأكثر صلاحية لنشر طرق معينة للتفكيـر، ولطرح وحل المسائل التي تتداخل في كل التطور الجاري في حياة الدولة”.

فسلطة الدولـة، مع وصفها بأنّها جهـازا إداريا سياسيا، وظيفته الأساسية، تتلخص بتثبيت الوضع القـائم، أو توجيهه باتجاه معين، تبدو كأنّهـا قائمة على القسر والضبط والقـوة، إذ أنّ هذه السلطة، تعني القـوات المسلحة الشرطة والأمن والقضاء والسجون والمصالح الحكومية ومؤسسات الدولة الاقتصادية ووسائل الإعلام… . غيـر أنّها قبل ذلك كله، هي تتضمن سلطة الأفكـار، أي التأثير الذي يمارسه الفكر في عقول الناس فيقنع غالبيتهم بقبـول الوضع القائم أو رفضه والتوجه إلى وضع جديد. والمهم هنا، أنّه ليس من الضروري أن يقوم هذا الاقتناع على أسس صحيحة، فقد يكون خداعا، ولكنه على أي حال لابد أن يضمن موافقة الأغلبية، ودون هذه الموافقة، يصعب الاقتناع بأنّ الدولة تستطيع البقاء و الاستمـرار. ولا يمكن تصور دولة أو جهـاز حاكم يستطيع أن يحكم ويسيطر رغما عن الجميع. ومن ثم فاستخدام القوة والنزوع إلى العنف رهن بعدة معطيات أو ظروف معينة ولا يمكن ان تنجح فيه أقلية على حسـاب حقوق الأغلبية في المجتمع.

فالعنف في إطار التغير الاجتماعي راجع إلى عدة أسباب وعوامل مختلفة، لكن جلها تصب في نوعين من الأسباب. أسباب أساسية، وأسباب فاعلة، فأمّا الأسبـاب الأساسية فهي تلك التي تتميز بكونها أكثر ديمومة وعمقا ويمكن أن تكون أرضية لأسباب أخرى كثيرة تتفرع منها. أمّا الأسباب الفاعلة فهي تلك التي يمكن أن تزهر في مرحلة معينة وتختفي في أخرى، ويمكن أن يختلف أثرها من وقت إلى آخر أو من مكان إلى آخر، ويمكن ردّها إلى غيرها أي أنّها منبثقة أو ناتجة عن غيرها التي هي أكثر عمقا ديمومة، أي إلى الأسباب التي ندعوها أساسية. وهذا لا يعني على الإطلاق أنّها غير مهمة أو قليلة الفاعلية والتأثير، بل يعني فقط أنّها ناتجة عن غيرها أي إنّ تأثيرها وفاعليتها غالبا ما ترتبط بوجود أو غياب تلك التي نعدها أساسية رغم أنّها في مراحل معينة أو تجارب معينة تبدو وكأنّها الأكثر فـاعلية وأثرا. وما الأمثلة التي سقناها قبلا إلاّ خير تبرير على ذلك.